مصطفى صادق الرافعي
72
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أقواهم قوة ، ولا شيء من ذلك وأشباه ذلك مما لا يتفاضل به الناس على التحقيق إلا في إدبار الدولة واضطراب الاجتماع وفساد العمران ، ويكون مع ذلك كأنه دربة لهم أن يتباينوا بعد هذه الفضائل المشوبة بالرذائل صرفة لا شوب فيها ! . ولا يمكن أن تفسر ( التقوى ) على التحديد والتعيين في كلمة تستوعب كل معانيها وما يتصل بها إلا كلمة واحدة ، هي « الخلق الثابت » ومهما أدرتها على غير هذه الكلمة من أسماء الفضائل كلها فإنك لا تجد اسما واحدا يلبسها لا فاضلة عنه ولا مقصرا عنها . لا جرم أن هذا الأصل الاجتماعي الذي انشعب من المساواة كما رأيت في نظم الآية ، هو الأصل الذي انشعبت منه كل فضائل المساواة والحرية ، وإنه لذلك مقدم على الإيمان ، إذ لا إيمان لمن لا تقوى له ، وأنه يقضي بكل أنواع الحرية التي تفيد الاجتماع ، وكلها مقرر بأصوله في القرآن الكريم ، غير أن الذي ننبه عليه من فضيلة التقوى أو الخلق الثابت في القرآن : أنه جعل أبعد الأشياء عن موافقة الطباع الموروثة وما لا بد للنفس الإنسانية في التخلق به من الكد والمعالجة ومن شدة الاعتصام في مدافعة أخلاقها وعاداتها الحيوانية التي هي أصل الفطرة وغريزة الجبلّة - أن هذا كله في وصف الفضيلة وجماع الأمر لا يزيد عن كونه ( أقرب للتقوى ) وذلك في قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى والشنآن : العداوة والغضب وما في حكمهما . وهذا على أنهما « من قوم » لا من فرد كما ترى في الآية الكريمة ؛ فينطوي في هذه الإضافة الحرب والاستعمار وغيرهما فتأمّله . ثم اعتبر القرآن أن خير الأمم على الإطلاق إنما هي الأمة التي تتبسط في مناحي الاجتماع على هذا ( الخلق الثابت ) ، فإن مرجع التقوى في مظاهرها الاجتماعية إلى شيئين : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ؛ وهما المبدأ والغاية لكل قوانين الآداب والاجتماع ، ثم مرجعهما في حقيقة نفسها إلى شيء واحد : وهو الإيمان باللّه ؛ فالأمة التي تكون لأفرادها فضيلة التقوى ، تكون لها من هذه الفضيلة صفات اجتماعية مختلفة يؤدي مجموعها إلى صفة تاريخية واحدة ، وهي أنها خير أمة على هذا جاء قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فتأمّل كيف قدّم وأخر ؛ فإنك لا تجد هذا النسق إلا ترتيبا لمنازل الفضيلة الاجتماعية الكبرى تجعل الأمة في نفسها خير أمة ، وبالحري لا تجد هذا الترتيب إلا نسقا في وصف الآداب الإسلامية التي جعلت أهلها الأولين حين اتبعوها وأخذوا بها خير أمة في التاريخ ، بشهادة التاريخ نفسه . وإنما أركان الفضيلة الاجتماعية الكبرى في ثلاث . كلها حرية واستقلال :